تاريخ القسم

• في البداية لم يكن قسم الصوتيات قسمـًا مستقلاً يدرس فيه الطلبة علوم الصوتيات المختلفة وإنما كان معملاً للصوتيات وقد أنشئ عام 1954م.

  • لم تكن الفكرة في إنشاء معمل للصوتيات وجلب أجهزة أو أدوات للعرض والزينة ولا حتى للشرح والتدريس السطحيين. وإنما أنشئ هذا المعمل وبذل فيه ما بذل ليكون دعامة تقوم عليها دراسة تجريبية حقة في مصرنا الحبيبة، دعامة تمِّكن لهذه الدراسة حين تنشأ وأن تتأصل في أرضنا وتتأقلم، فتنمو بقوة وأصالة وسرعة حتى تدرك ما فاتنا في هذا المضمار - وهو كثير- وحتى يستطيع القائمون على اللغة العربية أن يطبوا - في ثقة ونجاح - لأدوائها وأن يرسموا ويخططوا في بصيرة واعية لهذه اللغة ولكل ما يتصل بها ويبنى عليها من فنون وأعمال.

• إن الفترة الضئيلة التي أذن فيها لمعمل الصوتيات أن يدرس هذا العلم بصورة كانت جادة، إن تلك الفترة التي مكن فيها معمل الصوتيات أن يجرب طاقاته ويمارس ثقافته، فهذه الفترة - رغم قصرها بإزاء أي تجربة أخرى - التي قد مكنت معمل الصوتيات بالإسكندرية أن يحدث دويًا في هذا المجال. فما أن اكتمل للمعمل بعض معداته وقد قررت أو أذنت الكلية بتدريس مادة الصوتيات العملية فأعطت للطلبة فرصة الاطلاع والتعرف على آفاق جديدة من الدرس وطرق للبحث في اللغة ما كانوا يتصورونها قبل أن يتصلوا بها، فأغرم بها بعض من تذوقوها واكتشفوا في أنفسهم مواهب لها واستجابات. هذا أمكن لمعمل الصوتيات أن ينشئ أو أن يبدأ ما يمكن تسميته "هوايات البحث التجريبي في اللغة" ولقد تطورت هذه الهوايات إلى:

أ‌-       حلقات للبحث منتظمة:”seminars

غزت بأبحاثها ومناقشاتها عوالم لا عهد لنا بها. كما غزت تلك الحلقات عوالم أخرى كانت معروفة منذ زمن ولكنها غزتها واقتحمتها على أسس جديدة وبطرائق ووسائل كانت - في بيئتنا - أغرب من غريبة.

1)   فلقد غزت أبحاث عديدة في هذه الحلقات - ولأول مرة في مصر - علم الجمال اللغوي من الناحية الصوتية.

2)   وغزت أبحاث أخرى "علم الاجتماع اللغوي" وهو جانب مهم من أبحاث اللغة وعلم الاجتماع في كل بلاد الدنيا.

3)   غزت حلقات بحث المعمل أيضًا ميدان "علم النفس اللغوي" وميدان علم اللهجات ولكن بوسائل للبحث لم تمارس ممن تعرضوا لهذه الموضوعات على أرض مصر.

 ب‌- الأعمال الحقلية:

ثم تفتحت حلقات البحث هذه بدورها عن أعمال حقلية في الميدان اللغوي. فبعد أن استتب لهذه النخبة من الطلاب في جو المعمل وبين كتبه وأجهزته شىء من المران والتمرس بتلك الأفكار الجديدة وطرائق البحث التجريبي في اللغة ووسائله التي كانت غريبة عليهم، اندفعوا في حماس يبحثون عن ميادين للمعركة حقيقية يواجهون فيها مشاكل اللغة على أرضنا، لغتنا نحن في بيئتنا نحن، يتحسسون هذه المشاكل ويتمرنون على مراقبتها في مواطنها وتتبعها في نشوئها وتطورها. ويمارسون تسجيل كل ذلك على الطبيعة ثم يجلبونه إلى أرشيف معملهم لكي يحللوه أو يأخذوا منه الوثائق والأمثلة للآراء والنظريات ، التي يقرؤونها ويتدارسونها. نذكر من ذلك العينات الآتية:

1)   حين قام المعمل (بالاشتراك مع مركز الفنون الشعبية القاهري) بأول مسح فولكلوري علمي - جزئي طبعا - لأحياء الإسكندرية ومناطق على الساحل الغربي للدلتا (أدكو وأبو قير ورشيد) حيث اضطلع معمل الصوتيات بكل المسئولية عن الجانب الصوتي في هذا المسح علمًا وتخطيطًا وتنفيذًا.

2)   غزت أجهزة المعمل وطلابه نقطًا كثيرة من مراكز تجمعات العربان في الصحراء الغربية (الدخيلة وبهيج والحمامات والضبعة ومرسى مطروح) وفي صحراء سيناء عند وادي فيران وحول دير سانت كاترين فوق الجبل.

3)   كما جمع الطلبة لقطات شعبية من الموالد وحلقات الذكر الحية في دسوق ورشيد وطنطا، والقاهرة مع لقطات من قهاوي الدراويش حول سيدنا الحسين في ليالي القاهرة الرمضانية.

4)   واشتركوا بكل عبء الجانب الصوتي في فيلم ثقافي عن مدينة رشيد ومواسم صيد السردين هناك لحساب وزارة الثقافة.

ج- الأبحاث الأكاديمية:

1) حين تقدم معمل صوتيات الإسكندرية إلى المؤتمر الدولي للتوحيد القياسي ببحثه عن التنميط "standardization" لأصوات اللغة العربية.

أ- لم تتقدم إلى هذا المؤتمر أية كلية آداب أخرى في مصر فضلاً عن أقسام اللغة العربية فيها.

ب- ولئن كان علماء اللغة في الأمم المتحضرة قد قاموا باجراء أمثال هذا البحث على لغاتهم فإن اللغة العربية بالذات لم يقم - قبل معمل صوتيات الإسكندرية - أي باحث لا في الشرق ولا في الغرب بتقديم مثل هذا البحث عنها.

ج- ولقد عجزت أية هيئة أخرى في مصر أن تلحق بمعمل الصوتيات في هذا الميدان الذي فتحه المعمل.

2) تتابعت الهيئات العلمية والصناعية وغيرها تلتمس عند معمل صوتيات الإسكندرية المزيد من المعلومات عن هذه الناحية في لغتنا. فهذه مصلحة التليفونات التي:

أ- أنشأت بالفعل مصانع لآلات التليفون لسد حاجتها وحاجات العالم العربي كله، قد أدركت أن معرفتها للخصائص الأكوستيكية للغة العربية ستعينها على إنتاج آلات للتليفون أكثر ملائمة للغة العربية من تلك التي تستوردها من أوروبا وأمريكا والمصنوعة على أساس من خصائص اللغات اللاتينية.

ب- أدركت هذه المصلحة - ونتيجة لعدد من التجارب والمحاولات في معمل الصوتيات - أن سيكون في الإمكان اختصار المجال الذبذبي للغة العربية إلى نحو الثلث على الأقل من المجال المستخدم والذي - إنما - استعمل عندنا في مصر نقلاً عن النظام الموضوع في أوروبا وأمريكا، على أساس من خصائص مجموعة من اللغات اللاتينية. وإذن فبناء على تلك المعطيات سيمكن بتقدير الفنيين المختصين في مصلحة التليفونات نفسها من توفير ما لا يقل عن ثلاثة ملايين جنيه سنويـًا.

ج- ومن هنا كانت تلك المكاتبات الرسمية من هيئة التليفونات ومراقبة بحوثها المتمركزة في القاهرة إلى كلية آداب الإسكندرية من أجل معمل صوتياتها.

3) قامت آلات معمل الصوتيات بعملية مثيرة لم تخطر على بال أي من المسئولين أو القوامين على اللغة العربية في بلدنا فردا أو هيئة، لقد قامت بتسجيل لهجة شخص من المهجرين إلى منطقة أبيس بجوار الإسكندرية، ثم أخذت هذه الآلات تحلل وتفحص وتحاول رسم النظام اللغوي للهجة هذه القطعة البشرية من مواطني مصر يوم سافروا من منبتهم الأصلي الذي ولدوا فيه ونشأوا. ثم تعاود زيارة هذا الشخص في مقرهم الجديد من حين إلى حين لتأخذ عينات ثم توضع هذه العينات بدورها في أجهزة التحليل والفحص والاختبار، لرصد الجديد من التغيرات التي تطرأ على لهجتهم وللإسراع بدراسة ملابساته والعوامل الفعالة فيه. فتتم بذلك لأول مرة في مصر والشرق العربي كله عملية مراقبة تطور لغوي يأخذ مجراه تحت عيون المراقبة وآلات الرصد والتسجيل.

4) قام المعمل بمحاولات فذة في استخلاص العناصر الصوتية ذات الطابع الشعبي أو الحرفي أو الطبقي أو ما إلى ذلك في الكلام ومحاولة جمعه وتبويبه.